تاريخ صياغة الذهب في بربر

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 30 مايو 2017 - 12:50 مساءً
تاريخ صياغة الذهب في بربر

الجوانب الاجتماعية فى مجال صناعة الحديد والصاغة الصياغة ببربر والدور التاريخى للاشارف الخفاب لنشر ثقافة صناعة الذهب بكل انحاء السودان وافريقيا :

عندما يكون الانسان هدفا للكلمة فعلى الكلمة ان تكون بصيرته ومعوله البناء فى شتى ضروب الحياة وهنا شريعة الكلمة هى الحقيقة مجردة من كل مايطمس صدقها وجرأتها وبالتالى يزداد عبء من يتحمل مسئوليتها . وقد ارتبطت عصور الازدهار عبر التاريخ بالذهب اذ اطلق الاغريق عبارة (العصر الذهبى) على اكثر الفترات تفوقاً فى العطاء فى الامم ويعد الذهب من اكثر الرموز دلالة على القوة الافتتاحية اذ انه يستعمل كمقياس للتعامل تحدد بواسطته قيمة ماهو اعلى وماهو ادنى وسنحاول استشراف الدور التاريخى للاشراف الخفاب ببربر فى نشر صناعة الذهب بكل انحاء السودان وافريقيا وهو موضوع غنى بسجله الاجتماعى والاقتصادى والادبى والفنى . وفى هذه المقدمة التى ساوردها كمدخل للموضوع الاساسى وللمكانة التاريخية لحاضرة الحواضر مدينة بربر ومن المنابع الاصيلة التى نهل منها اهل بربر وارتووا على مر السنين ومن عظمة الماضى وجلاله وترفه الباذخ ومن العشق الالهى للصالحين الاتقياء من اهل بربر نشات قبيلة الاشراف الخفاب وارتبط تاريخ نشاتهم بماضى بربر يوم ان كانت حاضرة لمملكة الميرفاب وعبر مجدها ترعرع الاشراف الخفاب ومن خيرها الوفير تغذى اباءهم واحفادهم وارتبط تاريخ حاضرهم وتعايشوا وتمازجوا مع سكانها الاصليين من الميرفاب وغيرهم وتزاوجوا مع من وفدوا اليها من الفئات الاخرى ثم انصهروا تحت عائلة الاسم الشائع الى اليوم وهو اسم البربراويين المشهود لهم بالذكاء الفطرى اللماح والمقدرة على المقارحة بالحجة والمنطق .

ارتبط تاريخ نشأة الاشراف الخفاب ببربر بتاريخ مملكة الميرفاب فى عهد السلطنة الزرقاء والتى كانت عاصمتهم (سنار) ويذكر التاريخ انه كانت فى (سنار) العاصمة الخلاوى والمساجد يدرس فيها القران الكريم وعلوم الشريعة الاسلامية واللغة العربية وقد قصد سنار كثير من العلماء الاجلاء جاءوا من الحجاز ومصر وبلاد المغرب والعراق وكان هؤلاء العلماء يجدون العناية والرعاية من الحكام والتشجيع كما كان لهم حق الافتاء والفصل فى كثير من المشاكل الخاصة بامور الارث والزواج والطلاق اضافة الى مصلحتهم الاولى . ومن هؤلاء العلماء الذين قصدوا سنار الشريف الحسين (محمد المدنى)الجد الاكبر للاشراف بالسودان وابنه حسب الله (ابخف) الذى حمل هذا اللقب من كونه جاء منتعلاً خفاً والخف لم يكن معروفاً بالبلاد انذاك وكان ينتعله اهل الحجاز .

وفى فترة اقامة هؤلاء الشيوخ بسنار كان اقليم بربر تحت سيطرة زعماء قبيلة الميرفاب وكان قد تم تعيين حكام الاقاليم وظهرت مملكة الميرفاب بقيادة (سويكت) والد (رحمة اب ختام) وكان لها سلطات واسعة بهذا الاقليم الممتد شمالاً ليشمل المناطق المعروفة حالياً بمنطقة الرباطاب والناصير وغيرها , وقد اتى لدفع الجزية وتقديم الهدايا لسلطان الفونج فاتصل بهم وتعرف عليهم واعجبه ماراه فيها من صلاح وتقوى بعلوم الشريعة الاسلامية ولم تدم فترة اقامتهم بسنار وقرروا مواصلة مسيرة جهادهم شمالاً الى مصر قاصدين الازهر الشريف وعندما وصلوا سوبا بريفى الخرطوم توفى الجد الاكبر للاشراف بالسودان (الشريف الحسين محمد المدنى) ودفن بسوبا وواصل ابنه الشريف (حسب الله) اب خف مسيرة جهاده شمالاً وعند وصوله (قنديس) احدى قرى منطقة الرباطاب تقع بالضفة الغربية لمحطة ندى التقى به زعيم مملكة الميرفاب (سويكت) والذى سبق ان التقى به فى سنار وحصلت المعرفة بينهما نزل معه فاكرمه ووقره وطلب منه ان يبقى معه وبعد فترة من اقامته عرض عليه الزواج من ابنته فقبل الشريف حسب الله وتمت المصاهرة وانجب منها ابنه (الشريف عبد الكريم ود ابخف) واستقر الشريف حسب الله بقرية قنديس الى ان توفى بها ودفن هناك كما توفيت معه ابنته (عائشة) ودفنت معه بمقابر قنديس بالرباطاب .

عمل الشريف (عبد الكريم ود ابخف) مع خاله (رحمة اب ختام) بالزراعة ونزح مع اخواله الميرفاب جنوباً نسبة لضيق الاراضى الزراعية هناك واستقر (بالقناطر) المعروفة الان (بالضانقيل) قرية تقع شمال بربر وتزوج منها وانجب من الاولاد الشريف الخافابى حمد , حمودى , سليمان , اسحق , داؤود , ومن البنات رضا وجنة واستقر بالقناطر الى ان توفى ودفن بها وقبره يزار تيمناً ببركاته ولقد تعود ابناءه وابناء ابناءه زيارته الى يومنا هذا بكل مولود ذكر او انثى حسب توصيته . ومن ابناء وبنات الشريف عبد الكريم حسب الله اب خف وموطنهم الام (القناطر) انذاك تعددت بيوت الاشراف الخفاب فى كل انحاء السودان وتكونت الفروع الرئيسية نذكر اولاً الابن الاكبر له الشريف الخفابى حمد بن عبد الكريم حسب الله ابخف الملقب (بحمد الفكى) وذلك لانشغاله بالعلم وتعليم القران والمدفون بمدينة بربر جوار مبانى الهيئة المركزية للكهرباء ومن ابناءه وبناته تعددت بيوتات الاشراف نذكر منهم (اشراف العدوة) شمال قرية نقزو ومنهم الشريف ابراهيم حاج محمد الذى قام بنقل جثمان الجد الاكبر للاشراف بالسودان (الشريف الحسينى) محمد المدنى من سوبا بالمراكب ودفنه شرق مسجد الاشراف الحالى بنقزو وهذه المقابر التى تقع شرق مسجد الاشراف تعرف الان بمقابر (الشرفة) مشهور لاهل بربر (بقلاب الدومة حجر) ولهذا بالتعريف قصة مشهورة يتناقلها اهل بربر الرواد باكبار واجلال لصاحبها وتتعلق بمسألة نزاع فى حدود الاراضى الزراعية وقد تولى ابنه (الشريف حسن المدنى) مسجد الاشراف بنقزو وذلك لاقامة الصلاة والاذكار ونذكر منهم الشريف احمد الملقب (الباقر) والشريف على والد احمد المجمر وله قصة ايضاً مشهورة وهى حريق الراكوبة بجزيرة نقزو والتى كان نائماً تحتها وهو صبى انذاك ولم تصبه النار فلقب (بالشريف المجمر) وكذلك منهم (الشريف محمد السيد الحسن) والشهور بشيخنا (ود السيد) وهو من علماء بربر المشهورين بالتقوى والصلاح والعلم والفضل ولم يبخل بعلمه يفتى على المذاهب الاربعة ويلجأ اليه الناس لحل مشاكلهم فيما يختص بالميراث ومعضلات الشريعة فى الحلال والحرام والزواج والطلاق وكان علماء الازهر الشريف يراسلونه ويناظرونه ويستفتونه واسس مسجد الاشراف الحالى بنقزو . ومنهم ايضاً الشريف محمد طاهر المساعد العالم الكبير الذى هاجر الى مصر واخذ العلم على يد مشايخ الازهر وعاد الى السودان وتولى القضاء بمدينة بربر فى العهد التركى المصرى ولذا اشتهر ابناؤه واحفاده لبناته , ايضاً الشيخ الحسن نجل الشيخ الجعلى بكدباس .

الشريف الخفابى (حمودى بن عبد الكريم حسب الله اب خف) ابناؤه واحفاده يسكنون الان (بالسدرات) فى نواحى الحبشة والبعض منهم يسكنون بخور بركة ولم يعرف عنهم شئ .

الشريف الخفابى (سليمان بن عبد الكريم حسب الله اب خف) اقام مسجد بالقناطر (الضانقيل حالياً) لاقامة الصلاة وتعليم القران والعلم وكان عمله مثل عمل اخواله الميرفاب (الزراعة) وكان يقوم بعمل ادوات زراعية بيده من الحديد ولذلك سمى (بالحداد) مثل الاولياء الذين منهم الحداد والدباغ والحوات هؤلاء الصالحون عرفت اسماؤهم بصناعتهم ولما سؤل لماذا تصنع الحديد ضرب بيده الارض فتعلق بها جنزير من الذهب فقال لهم هذا عمل ابنائى من بعدى ومن يومها عرف (بالشريف سليمان ابسلسلة) وقد كان هذا بالفعل حقيقة معاشه بالنسبة لمهنة بيوتات ابناؤه واحفاده وخاصة فى قرية نقزو ومدينة بربر حيث ارتبطت معيشتهم بمهنة الصاغة الى يومنا هذا . تعلم صناعة الحديد والصياغة من بقايا مايسمونهم بالعنج او الفراعنة الذين توجد اثارهم بقرية الضانقيل او القناطر وهو الاسم الذى عرفت به انذاك والتى ظلت اثارهم بها . اتخذ طريق الحدادة اولا بعمل الات الزراعة التى يعتمدون عليها فى معاشهم  وتعلم معها بعض الصياغة والتى كانت فى ذلك الوقت تتكون من اشياء سهلة العمل (الحجول – الاساور وغيرها) ومن ابنائه نذكر الشريف عبد الرحمن , اسماعيل الجد الاكبر لبيوتات الاشراف الخفاب والتى تعددت بقرية نقزو ومدينة بربر وكان مقر اقامته الاصلى نقزو المعروف انذاك (بسمكج الحداد) وقد كان هذا تعريفاً لقرية نقزو باللغة التركية ولذلك اشتهر (بالشريف عبد الرحمن السمكج) ومن ابنائه واحفاده تقدمت وانتشرت صناعة الحديد والتى كانت قاصرة على الادوات الزراعية فى ذلك الوقت ومنها انتشرت وتطورت الصاغة والصياغة فى كل انحاء السودان وافريقيا وقد انتشرت منه صناعة الذهب فى بربر وعطبرة والدامر وشندى وغيرها من المدن .

يعرفون فى بربر بالاشراف الحداحيد ولدى بعض الناس بالاشراف الصياغ حيث عاصروا اعظم المدن مكانة اقتصادية على نطاق القارة الافريقية ونذكر منهم الشريف الحاج حمد حسن كان عمله فى ذلك الوقت قد اتصل ببربر المخيرف العاصمة التركية وكان ميله اكثر للتخصص للصياغة , وقد وفد الى بربر المخيرف بعض اليهود الصياغ ولما رءوا عمله طلبوا منه اعانتهم على فتح محل للصاغة ولما علم انهم صياغ انتهز الفرصة ليتعلم فن الصياغة منهم وصارت بينهم معرفة واخذ يتردد عليهم من وقت لاخر وياخذ عنهم طريقتهم فى صناعة الذهب ولما عرف طريقة العمل اصبح يتفنن فيها ويعلم اخوانه . كان بجانب ميوله والتماسه لتعليم فن الصياغة رجلاً مشهوراً بالتقوى والصلاح سافر الى الحجاز لاداء فريضة الحج وهناك اتصل بسيادة السيد محمد عثمان الميرغنى الختم واخذ منه الطريقة بمكة المكرمة وعند حضوره من الحجاز اسس خلوة الاشراف الخفاب بمدينة بربر والمعروفة الان بمدينة بربر بخلوة الشيخ عبد الصادق وتوفى وعمره (45 سنة) ودفن بمقابر جده عبد الكريم ود ابخف ونذكر من ابنائه الشريف احمد الحاج حمد العالم الورع والذى كان له الفضل فى تعليم القران والعلم بمدينة بربر وكان قد خط بيده اربعين مصحفاً ولازالت موجودة بمكتبة الشيخ مدثر الحجاز بام درمان ولقد عرض عليه منصب قاضى شرعى فى عهد الاستعمار فرفض هذه الوظيفة فى سبيل  مواصلة جهاده لنشر العلم وتعليم القران ونذكر من احفاده لبناته الشيخ الورع الفقيه (الطاهر الربيع) الذى تولى خلافة المباركاب وصار اماماً لجامع الشيخ المبارك بالقدواب ومن ابنائه لبناته ايضاً الشيخ مجذوب مدثر الحجاز المعروف والذى كان استاذاص بجامعة امدرمان الاسلامية رحمه الله ونذكر من اشقائه الذين برزوا فى مجال فن الصياغة وصناعة الذهب (الشريف على حسن) الذى عاصر وعاش مجد بربر القديمة (المخيرف) فى العهد التركى وقيام الثورة المصرية حيث تعلم كذلك فن الصياغة من اليهود واظهر تفوقاً كبيراً جذب الحكام فى ذلك الوقت وصاروا يطلبون منه صناعة عينات دقيقة الصنع يعرضونها عليه ليعمل مثلها ويقوم بكفاءة ومقدرة عالية اهلته لنيل اهتمام خديوى مصر اسماعيل باشا والذى يطلب منه ان يشترك فى معرض باريس وقدم اليه دعوة ملك فرنسا انذاك اعجاباً بما صنعه لكبار رجالات الدولة وسافر الى باريس ليشارك بانتاج وفن صناعة الذهب بالسودان (بالمعرض السبعينى ) وكان يرافقه بن اخيه محمد صغير ويعتبر من اوائل المواطنين السودانيين الذين قاموا برحلة سياحية لاوروبا فى ذلك الوقت ولازالت مصوغات الشريف على ود حسين موجودة الان ضمن معروضات المعرض السبعينى فى الجناح المصرى بمتحف اللوفر بفرنسا , وعندما عاد الى السودان نقل خبرته من فرنسا الى بربر المخيرف وقد كافأه خديوى مصر بمنحه ارض زراعية فى مصر بتوجيه من ملك فرنسا وعاش عصره زعيماً لقبيلة الاشراف الخفاب وجمع قبيلته فى صعيد واحد وبنى بيتاً كبيراً ببربر المخيرف وتزوج من اسرة مصرية وتدعى زوجته (بالريفية) على لغة اهل البلد انذاك وفى عهد المهدية قام من المخيرف الى ام درمان لمقابلة الخليفة عبد الله فى شؤون الاسرى من مواطنى المخيرف (بالساير) سجن بام درمان فى المهدية وقد اكرمه الخليفة غاية الاكرام وامر باخلاء السجن اكراماً (للشايب) الذى لقبه به على نظام زعماء البقارة ومن يومها اقترن هذا اللقب باسمه وصار يدعى بعلى الشايب .

ونذكر من برز فى فنون الصاغة وكان يعمل بالمخيرف انذاك (الشريف حسين محمد حسين) بن عم الشريف على ود حسن وحاج حمد حسن والذى هاجر الى مصر من المخيرف وتزوج بها وتعددت بيوتات الاشراف من ابنائه واحفاده بالقاهرة والاسكندرية والذين لم تنقطع صلاتهم باهلهم وذويهم فى السودان الى يومنا هذا وله الان احفاد يسكنون بمدينة شندى , بورتسودان , الخرطوم بحرى وتوفى بمصر ودفن بها .

ونذكر ايضاً من الذين برزوا وتخصصوا فى صناعة الذهب بالمخيرف من الاشراف الشريف عبد الله الحاج احمد المدفون بمدينة بربر بالقرب من مبانى الهيئة المركزية ونذكر من ابناء الشريف عبد الرحمن اسماعيل الجد الاكبر لبيوتات الاشراف بقرية نقزو ومدينة بربر .

ومن ابناء الشريف سليمان عبد الكريم حسب الله ابو خف الشريف حسب الله الثانى الجد الاكبر لبيوتات الاشراف والتى تعددت بقرية حلة يونس . ونذكر من ابناء واحفاد الشريف عبد الكريم حسب الله لابنته (جنة) الفقيه العالم الشيخ محمد الملقب (بودفلاتى) المدفون بالمقابر التى تقع عند مدخل مدينة عطبرة بالجهة الشمالية ونذكر من ابنائه الشيخ عبد المعروف المدفون بقرية كنور ومن ابنائه واحفاده من يسكن كنور , الداخلة والبعض الاخر بالرباطاب . ولقد ساهم فى الجوانب الاجتماعية والتجارية شيخ الصياغ بربر الشريف الخفابى المرحوم محمد صغير الحسين ونفر كريم من ابناء الاشراف ببربر على رأسهم الراحل المقيم تاج السر الحسن احمد عبد الله .

اعداد وجمع : الحاج عبد الوهاب

اذاعة بربر المجتمعية

   

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة محلية بربر الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.